عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
238
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
أنّ مثل هذه الصور تحتاج إلى البديهة السريعة والجمل القصيرة ، والألفاظ الخفيفة السهلة وقد امتلك دعبل كلّ هذه الخصائص في تصويره الهزلي الساخر وأضاف إليها براعته في التخيل الوهمي أو الخيالي الذي يربط بين المتناقضين المتقابلين لإثارة الضحك وتجسيم المعنى . ولمّا تزوّج أحمد بن أبي دؤاد امرأتين من بنى عجل في سنة واحدة ، أتاح ذلك لدعبل فرصة التهكم والسخريّة والهجاء ، فنظم قصيدته النونيّة الثالثة في هجائه ، وأفحش فيه وصوّر الخبر طائراً يغرّد في الخافقين : « 1 » أَيَا لِلنَّاسِ مِنْ خَبَرٍ طَرِيفٍ * يُغَرِّدُ ذِكرُهُ فِي الخَافِقِينِ « 2 » أَعِجْلٌ أنْكحُوا ابْنَ أبِي دُوَادٍ * وَلَمْ يَتَأمَّلُوا فِيهِ اثْنَتَيْنِ أرَادُوا بَعْضَ عَاجِلَةٍ فَبَاعُوا * رَخِيِصَاً عَاجلِاً نَقْدَاً بِدَيِنِ بِضَاعَةُ خَاسِرٍ بَارَتْ عَلَيْهِ * فَبَاعَك بِالنَّواةِ التَّمْرَتَيْنِ « 3 » وَلَوْ غَلَطُوا بِوَاحِدَةٍ لَقُلْنَا * يَكونُ الْوَهْمُ بَيْنَ العَاقِلِينِ وَلَكنْ شَفْعُ وَاحِدةٍ بِأخْرَى * يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ المَنْصِبَينِ لَحَى اللهُ المَعَاشَ بِفَرْجِ أُنْثَى * وَلَوْ زَوَّجْتَهَا مِنْ ذِي رُعَيْنِ « 4 » وَلمّا أنْ أفَادَ طَرِيفَ مَالٍ * وَأصْبَحَ رَافِلًا فِي الحُلَّتَيْنِ تَكنّى وَنْتَمَى لِأبِي دُوَادٍ * وَقَدْ كانَ سْمُهُ بْنَ الفَاعِلِينِ فَرُدُّوهُ إلَى فَرَجِ أبِيهِ * وَزِرْيَابٍ فَأَلْامُ وَالِدَيْنِ كان زواج ابن أبي دؤاد من بني عجل بمنزلة خبرٍ نادر طار ذكره في الآفاق فلذلك بدأ الشاعر قصيدته بأسلوب النّداء كأنّه يريد أن يستحضر الحدث أمام المخاطب ، وهذا من ميزات هجاء دعبل السياسي الذي يوجّهه إلى الجمهور أحياناً كثيرة . ونراه قد عدّ هذا الزواج صفقةً
--> ( 1 ) - السابق ، ص 297 . ( 2 ) - الخافقين : أفقا المشرق والمغرب ، لأنّ اللّيل والنّهار يخفقان فيهما . ( 3 ) - بار الشئ - بَوراً : كسد وتعطّل . ( 4 ) - لحيالله فلاناً : قبّحه ولعنه . ذي رعين : من ملوك حمير يضرب به المثل في النعمة . رعين : حصن له .